الثلاثاء، 22 جانفي 2008

تذكير المؤمن الأبي بتأريخه الهجري - الجزء الأول

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على رسول الله و آله و صحبه أجمعينأما بعد:

فإن لكل أمة لغتها و ثقافتها و حضارتها التي تتمسك و تعتز بها، و تربي عليها أبناءها،
و مما لاشك فيه أن لكل حضارة تأريخها الذي يبين بدايتها و يوضح تجربتها في الحياة، و يميزها عن غيرها من الأمم، و ثم ارتباط كبير بين ثقافة الأمة و عقيدتها و بين تأريخها، حيث أنه من الواضح أن لقيم أي أمة و عقيدتها و ثقافتها تأثيرا كبيرا على مكونات تاريخها (بداية العام-الأعياد-المواسم-أسماء الشهور) كما سيتبين في ثنايا هذا البحث بإذن الله، و لهذا كله كان هذا البحث المتواضع عن التاريخ الهجري (تعريفة و أصله و بدايته و مشروعيته و أهميته، و ما يرتبط به من بدع و محدثات).

تعريف التأريخ: قال ابن منظور:- أرخ التأريخ تعريف الوقت و التوريخ مثله، أرخ الكتاب ليوم كذا: وقته. و قال الفيروز أبادي: أرخ الكتاب و أرّخه و آرخه وقته و في المعجم الوسيط:- التأريخ: جملة الأحوال و الأحداث التي يخرج بها كائن ما، و يصدق على الفرد و المجتمع ، كما يصدق على الظواهر الطبيعية و الإنسانية، و يقال :-فلان تاريخ قومه إليه ينتهي شرفهم و رياستهم، و التأريخ:- تسجيل هذه الأحوال...
فوائد التأريخ: للتأريخ فوائد كثيرة، في استقلالية الأمة و خصوصيتها و تميزها عن غيرها من الأمم، إضافة إلى حفظ حقوق الناس و ضبط أمورهم و معاملاتهم و لذلك قال المناوي: (فلا غنى عن التأريخ في جميع الأحوال الدنيوية و الأخروية) و ذكر قصة تبين بعض فوائد التأريخ فقال:- وقع في زمن الخطيب البغدادي أن يهوديا اظهر كتابا فيه أن المصطفى صلى الله علية و سلم أسقط الجزية عن أهل خيبر، و فيه شهادة جمع منهم على ذلك، فوقع التنازع فيه فعرض على الخطيب فتأمله، ثم قال:-هذا زور، لأن فيه شهادة معاوية و إنما أسلم عام الفتح، و فتح خيبر سنة سبع، و شهادة سعد بن معاذ و كان مات عقب قريظة، ففرح الناس بذلك-
بداية التأريخ: قال ابن الجوزي: (لما كثر بنو آدم أرخو بهبوطه فكان التأريخ إلى الطوفان، ثم إلى نار الخليل، ثم إلى زمن يوسف، ثم إلى خروج موسى من مصر ببني إسرائيل، ثم إلى زمن داود، ثم سليمان، ثم عيسى، و قيل: أرخت اليهود بخراب بيت المقدس، و النصارى برفع المسيح)و قال الزهري و الشعبي: (كان بنو إبراهيم يؤرخون من نار إبراهيم إلى بنيان البيت حين بناه إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام، ثم أرخ بنو إسماعيل حتى تفرقوا، فكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا بمخرجهم، حتى مات كعب بن لؤي، فأرخوا من موته إلى الفيل، حتى أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة، و قد كان كل طائفة من العرب تؤرخ بالحادثات المشهورة فيها و لم يكن لهم تاريخ يجمعهم).
التأريخ في الإسلام: روى الحاكم في الإكليل و ابن عساكر في تاريخ دمشق عن أبي سلمه عن الزهري: (أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أرخ التأريخ حين قدم المدينة في شهر ربيع الأول) لكن هذا الحديث لا يثبت، فقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح : (و هذا معضل، و المشهور خلافه و أن ذلك في خلافة عمر) و قال ابن عساكر: (و المحفوظ أن الآمر بالتأريخ عمر) و قال ابن الأثير: (و الصحيح المشهور أن عمر بن الخطاب أمر بوضع التأريخ). قال الحافظ ابن حجر: (و قيل أول من أرخ التأريخ يعلي بن أميه حيث كان باليمن) أخرجه أحمد بن حنبل بإسناد صحيح لكن فيه انقطاع بين عمرو بن دينار و يعلي، و روى ابن خثيمة من طريق ابن سيرين قال: (قدم رجل من اليمن فقال: رأيت باليمن شيئا يسمونه التأريخ يكتبونه من عام كذا و شهر كذا، فقال عمر هذا حسن فأرخوا)، و قال ابن كثير في البداية و النهاية: (قال الواقدي و في ربيع الأول من هذه السنة أعني سنة ست عشرة كتب عمر بن الخطاب التأريخ، و هو أول من كتبه).
سبب التأريخ عند المسلمين: ذكر في ذلك أكثر من سبب، و لا تعارض بينها و لا مانع من وقوعها جميعا، فتكون كلها أسبابا لبداية التأريخ عند المسلمين، و قد تقدم ما ذكره الحافظ ابن حجر عن ابن سيرين قال: (قدم رجل من اليمن فقال: رأيت باليمن شيئا يسمونه التأريخ يكتبونه عام كذا و شهر كذا، فقال عمر هذا حسن فأرخوا)، و قال ابن الأثير: (و سبب ذلك أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تأريخ، فجمع عمر الناس للمشورة، فقال بعضهم: أرخ بمبعث النبي، و قال بعضهم: بمهاجرة رسول الله، فقال عمر: (بل نؤرخ بمهاجرة رسول الله، فإن مهاجرته فرق بين الحق و الباطل) قاله الشعبي، و قال ابن كثير في البداية و النهاية: (و قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، و ذلك أنه رفع إليه صك مكتوب لرجل على آخر دين يحل عليه في شعبان، فقال: أي شعبان؟ أمن هذه السنة؟ أم التي قبلها؟ أم التي بعدها؟ ثم جمع الناس فقال: (ضعوا للناس شيئا يعرفون فيه حلول ديونهم، فيقال أنهم أراد بعضهم أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك، و منهم من قال: (أرخوا بتاريخ الروم من زمان ابن اسكندر، فكرهوا ذلك، و قال قائلون: (أرخوا من مولد رسول الله، و قال آخرون: (من مبعثه علية السلام، و أشار علي بن أبي طالب و آخرون: (أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد فإنه أظهر من المولد و المبعث، فاستحسن ذلك عمر و الصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه و سلم).
من أي الشهور أرخوا التأريخ؟ قال الإمام البخاري في صحيحه في كتاب مناقب الأنصار: (باب التأريخ من أين أرخوا التأريخ، ثم قال: "حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز عن أبيه عن سهل بن سعد قال: (ما عدوا من مبعث النبي و لا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة،"قال الحافظ ابن حجر: قوله (مقدمه) أي زمن قدومه، و لم يرد شهر قدومه، لأن التاريخ إنما وقع من أول السنة.قال ابن كثير: (و أرخوا من أول السنة من محرمها، و عند مالك رحمه الله فيما حكاه عنه السهيلي و غيره أن أول السنة من ربيع الأول لقدومه عليه السلام إلى المدينة، و الجمهور على أن أول السنة من المحرم، لأنه أضبط، لئلا تختلف الشهور، فإن المحرم أول السنة الهلالية العربية.و قال ابن الجوزي: (و لم يؤرخوا بالبعث لأن في وقته خلافا، و لا من وفاته لما في تذكره من التألم، و لا من وقت قدومه المدينة، و إنما جعلوه من أول المحرم، لأن ابتداء العزم على الهجرة كان فيه، إذ البيعة كانت في ذي الحجة، و هي مقدمة لها، و أول هلال هل بعدها المحرم، و لأنه منصرف الناس من حجهم فناسب جعله مبتدأ)، قال ابن حجر معلقاً على هذا الكلام: (و هذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء بالمحرم).
التأريخ الهجري القمري هو التأريخ الشرعي: يجب على المسلم أن يعلم أن التاريخ الهجري المرتبط بالهلال هو التاريخ الشرعي الصحيح الذي شرعه الله تعالى لجميع الشرائع، إلا أن اليهود و النصارى تركوه و ابتدعوا التأريخ الشمسي و الميلادي كما سيأتي بيانه، قال القرطبي رحمه الله في جامع أحكام القرآن في تفسير قوله تعالى (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله) هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات و غيرها إنما يكون بالشهور و السنين التي تعرفها العرب، دون الشهور التي تعتبرها العجم و الروم و القبط، و إن لم تزد على اثني عشر شهراً، لأنها مختلفة الأعداد، منها ما يزيد على ثلاثين و منها ما ينقص، و شهور العرب لا تزيد على ثلاثين، و إن كان منها ما ينقص و الذي ينقص لا يتعين له شهر، و إنما تفاوتها في النقصان و التمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج.و قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تفسيره لنفس الآية: "فأخبر الله أن هذا هو الدين القيم، ليبين أن ما سواه من أمر النسيء و غيره من عادات الأمم ليس قيما، لما يدخله من الانحراف و الاضطراب) و قال رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للحج...) فأخبر أنها مواقيت للناس و هذا عام في جميع أمورهم، و خص الحج بالذكر تميزا له و لأن الحج تشهده الملائكة و غيرهم، ولأنه يكون في آخر الحول، فيكون علما على الحول كما أن الهلال علم على الشهر.و قال ابن القيم رحمه الله: (و لهذا كانت أشهر الحج و الصوم و الأعياد و مواسم الإسلام إنما هي على حساب القمر و سيره و نزوله، لا حساب الشمس و سيرها حكمة من الله و رحمهٌ، و حفظاً للدين لاشتراك الناس في هذا الحساب، و تعذر الغلط و الخطأ، فلا يدخل في الدين من الاختلاف و الخطأ ما دخل في دين أهل الكتاب).
و قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله في بيان ابتداع اليهود و النصارى للتأريخ الشمسي: (و قد بلغني أن الشرائع قبلنا أيضا إنما علقت الأحكام بالأهلة و إنما بدل من بدل من أتباعهم، و ما جاءت به الشريعة هو أكمل الأمور و أحسنها و أبينها و أصحها و أبعدها من الاضطراب، و ذلك أن الهلال أمر مشهود مرئي بالإبصار و من أصح المعلومات ما شوهد بالأبصار، و لهذا سموه هلالا، لأن هذه المادة تدل الظهور و البيان إما سمعا و إما بصرا).و قال رحمه الله أيضا عن بعض المتشبهين بالنصارى في توقيت صيامهم (و كل ذلك بدع أحدثوها باتفاق منهم خالفوا بها الشريعة التي جاء بها الأنبياء، فإن الأنبياء ما وقتوا للعبادات إلا بالهلال، و إنما اليهود و النصارى حرفوا الشرائع تحريفا ليس هذا موضع ذكره).
كتبه إمام و خطيب جامع الربع بالرياض وليد بن علي المديفر30 / 12 / 1428 هـ
نقلا عن موقع صيد الفوائد www.saaid.net

ليست هناك تعليقات: